ملا محمد مهدي النراقي

396

انيس المجتهدين في علم الأصول

بأصل الإباحة أيضا ، ووجهه ظاهر . وقد ورد به بعض الأخبار من طرقنا « 1 » أيضا . المقام الثالث : في أصالة براءة الذمّة عن حقوق الناس حتّى يثبت شغلها . وقد أجمع عليه المسلمون ، ودلّ عليه أكثر الأدلّة المتقدّمة « 2 » . ثمّ إجراء أصل البراءة في نفي الحكم الشرعي مشروط بأمرين : أحدهما : أن يكون بعد ضبط طرق الاستدلالات الشرعيّة وعدم الظفر بما يدلّ على ثبوته . قيل : ويتفرّع على هذا اشتراط حجّيّة أصل البراءة عن حقوق الناس بعدم عروض ما يناسب شغل الذمّة ، وأمّا إذا عرض ذلك ، فلا يقطع بحجّيّته ، كما إذا حبس شاة فمات ولدها ، أو أمسك رجلا فهربت دابّته وهلكت ، أو فتح قفصا لطائر فطار . ولا يمكن في هذه الصور إجراء الأصل في نفي شغل الذمّة عن ولد الشاة والدابّة والطائر ، بل لا بدّ للمفتي التوقّف عن الإفتاء ، ولصاحب الواقعة الصلح « 3 » . أقول : ما يناسب شغل الذمّة إن انتهض حجّة له ، فلا يجوز التمسّك حينئذ بالأصل ، وإلّا جاز ، فلا وجه للتوقّف ، فمن يدرج الصور المذكورة في قوله عليه السّلام : « لا ضرر ولا ضرار » « 4 » لا يتمسّك فيها بالأصل ، ومن لا يدرجها فيه يتمسّك به فيها . وثانيهما : أن لا يكون مستلزما لإثبات حكم شرعي من جهة أخرى ؛ لما عرفت من أنّه ينتهض دليلا لنفي الحكم الشرعي لا لإثباته ، فإذا علم نجاسة أحد الإناءين واشتبه بالآخر ، فلا يصحّ التمسّك في جواز الطهارة من أحدهما بالأصل ؛ لأنّه مستلزم لوجوب الاجتناب من الآخر ، وكذا الحكم في الزوجة المشتبهة بالأجنبيّة ، والثوب الطاهر المشتبه بالنجس ، والحلال المشتبه بالحرام المحصور وغير ذلك . وقال بعض المتأخّرين : ويشترط أن لا يكون الأمر المتمسّك فيه بالأصل جزء عبادة

--> ( 1 ) . راجع الفقيه 1 : 317 ، ح 937 . ( 2 ) . تقدّمت في ص 386 - 388 . ( 3 ) . قاله الفاضل التوني في الوافية : 193 و 194 . ( 4 ) . دعائم الإسلام 2 : 499 ، ح 1781 ، والفقيه 4 : 334 ، ح 5718 ، ومستدرك الوسائل 13 : 307 ، باب ثبوت خيار الغبن للمغبون ، ح 3 .